الخميس، مارس ٠٩، ٢٠٠٦

كثير من الأعياد.. قليلٌ من الحب

لعل من أبرز المفارقات التي تلتقي مع الخواء الفكري السائد بين عرب اليوم، الإفراط في استخدام لفظ الـ"عيد" وإضفاء رسمه على كل مناسبة قومية أو اجتماعية أو سياسية حتى صارت كثيرة أيام الأعياد في سنواتنا العربية كما هي كثيرة أيام الأحزان فيها على السواء، وإن عين المفارقة هنا تكمن في المعنى الأصيل لكلمة "العيد"، فالعيد كلمة درجت الشعوب على استخدامها منذ القدم لوصف المناسبات التي يرتبط فيها الاحتفال ببعد عقدي وشعيرة مقدسة، ولعل هذا يبرز لنا جلياً حين نلتفت إلى العبرية القديمة والحديثة على السواء فنجد أن المرادف الحرفي لكلمة العيد هو كلمة "حَج" !! وحين يقوم اليهودي بتحية صاحبه أو جاره يوم العيد يقول له "حج سمييَح" أي عيد سعيد.ـ

والحال ذاته في اللغات الأجنبية غير السامية فنحن نرى فيها أن كل الأيام التي نحتفل نحن بها ونخلع عليها سمت العيد وسمته توصف في تلك اللغات بوصف "يوم..كذا" فما نسميه مثلاً "عيد الحب" هو في الإنجليزية يوم الحب..ـ

"Valentine's Day"

وما نسميه عيد الاستقلال أو الثورة يدعى في الغرب يوم الاستقلال..ـ

"Independence Day"

وليس عيد الاستقلال.ـ


إن الإفراط في إضفاء القدسية على كل ما يقصو ويدنو من مناسبات وأحداث هو بحد ذاته ذوبان القدسية واندثارها في وجدان المجتمع، ولعل من أبرز الشواهد على ذلك انقلاب الأوضاع بين المقدس وغير المقدس وبين المتغير والثابت، حين يمسي من المألوف على نحو ما أن تصدُر المجلات والأعمال الأدبية تقدح في الشرائع والمعتقدات السماوية وتنقد الرسل وتسخر من تعاليمهم علناً بغير غضاضة تحت ستار حرية الإبداع والتعبير، بغض النظر عن رد فعل الشارع على أية حال، بيد أن أحداً من أولئك لا يجترئ على المس بمكانة رئيس بلاده أو أميرها، إنما تقف أمامه ههنا خطوط حمراء تصنع ضرباً جديداً من التقديس الذي لا نتحدث عنه كثيراً، لكننا نصنعه بأيدينا ونختزنه في قلوبنا خوفاً ورهبة.ـ


وهكذا فإن كل ما هو ثابت يستحيل متغيراً، وكل ما هو مقدس يصبح قابلاً للنقاش والنقد، في حين تتحول الأعراض الزائلة والمتغيرات الهشة (كالأنظمة الحاكمة ورموزها) إلى ثوابت ومقدسات لا يمكن المساس بها بأي حال، وكأنه قد كتب لها الخلود وكتب على الأمة الفناء.ـ


وعلى هذا النحو فإن الثوابت التي تصنع للمجتمعات ثقافتها وسمتها المميز وللحضارات تاريخها وسيرتها، تذوب شيئاً فشيئاً، تاركةً وراءها خواءً يجعل المجتمع مَحَطاً لكل ثقافة دخيلة ومرتعاً لكل سلوك شاذ عن طبيعته وقيمه، فيُمسخ وجه المجتمع ويهوي بغير وعي منه ولا رأي من أبنائه نحو الذوبان الكامل والاندثار في خضم المحيط المتلاطم من تيارات التغيير التي تبعثها ثقافات خارجية أشد وقعاً وأعمق تأثيراً.ـ


كثيرة هي شعارات الحب التي يتبادلها الفتيان والفتيات من شباب العرب في هذه الأيام، وقليلة هي أمارات الحب الحقيقي الذي يكنه هؤلاء الشباب لأوطانهم وأمتهم.. ـ

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية