الخميس، مارس ٠٩، ٢٠٠٦

لمحات من عالم الغد

في عالم اليوم تبدو أمام المشاهد صورة واضحة للقوى المسيطرة على العالم والمسيّرة لحركة التاريخ، فوفرة الموارد وقوة الاقتصاد وتقدم التقنيات وارتقاء الصناعات، كلها مجتمعة أمارات عظمة وسيطرة الدول صاحبة السيادة على الخارطة السياسية للعالم، وصاحبة الريادة على الخارطة الزمنية للتاريخ، فهي الدول التي تحتكم على الترسانات العسكرية، والاستراتيجيات الكبرى التي تقرر مصائر الشعوب وتخط مستقبل الأمم، تصطنع الممالك والجمهوريات تارة وتسحق الثقافات والشعوب تارة أخرى، ولا تقبل أن يجترئ أحدٌ فيقف حائلاً دون نفاذ مخططاتها وتحقيق مصالحها الإستراتيجية..ـ

وعندما نتأمل الخارطة السياسية لهذا العالم لا نستغرق الكثير من الوقت لنكتشف أن المناطق الواقعة في النواحي الشمالية منه تحظى بثقل سياسي ونفوذ عسكري واسع على بقية نواحيه الأخرى، فيما عدا أقصى المشرق.. حيث ذلك العملاق الآسيوي السمين المتخم بالكثافة البشرية، والمفعم بالطاقة الإنتاجية وحركة النمو المذهلة، والذي لا يبدو أنه من السهل تحريكه أو التخطيط له حسب ما تشتهي أنفس الساسة والعسكريين أصحاب الشمال والغرب..!ـ


ولعله من الطريف أن نرى صورة مشابهة لما نحن عليه اليوم قد ظهرت في القرون الوسطى، حيث تعرض العالم "المتحضر" المتمثل في الدولة الرومانية في جنوب أوربا لغزوات متتابعة من الوندال والنورمان والقوط وغيرهم من القبائل البربرية التي أتت أيضاً من "الشمال" لتهدم عمران روما وتحرق ثقافتها وتلتهم مجدها مخلفة وراءها فيما بعد الدول القومية القائمة في أوربا إلى يومنا هذا، ولعلها هي أيضاً قد صنعت لنفسها ولشعوب المنطقة تاريخاً وأحكمت قبضتها على أوربا في مرحلة من مراحل تاريخها تماماً كما تحكم دول الشمال في أوربا وأمريكا وآسيا قبضتها على عالم اليوم..ـ


كانت هذه لمحات من عالم الأمس.. وعالم اليوم..ـ
دعونا نختلس معاً.. نظرة سريعة إلى عالم الغد، لنرى كيف يمكن أن يكون..ـ
ولنعلم أولاً أنه إذا كانت صورة اليوم تصنعها الموارد والثروات والتقنيات الحديثة والترسانات العسكرية، فإن صورة الغد تصنعها طبائع المجتمعات وحصاد أجيالها الصاعدة من العلوم والمعارف والأخلاق والثقافات، وإذا كانت الجيوش هي التي تخوض معارك اليوم، فإن المجتمعات هي التي تخوض معارك الغد.. وإذا كانت معركة اليوم تقرر نصر دولة أو هزيمتها، فإن معركة الغد تقرر بقاء مجتمع وحضارة أو اندثارهما..ـ
وبالتالي فإننا كي نختلس نظرتنا تلك إلى عالم الغد فإنه يكفينا أن نطلع على تداعيات الحالة الثقافية والأخلاقية للشعوب في عالم اليوم.. ما يمكننا من استقراء مصائر تلك الشعوب أو مصارعها.. في عالم الغد!ـ


ولا يخفى أن تماسك البناء الاجتماعي لأي أمة يكرسه ويدعمه حضور وعيها الأخلاقي، واتصال حلقات تاريخها بحاضرها واتضاح وترسخ هويتها في نفوس أبنائها وأنظمتها الحاكمة، وكل هذا ينعكس بدوره على قوة البناء الأسري وإنتاجه لأجيال متتابعة متجددة قوية، قادرة على مواجهة تحديات المستقبل، وبعث الروح الحضارية لأمتهم من جديد وكتابة صفحة جديدة من صفحات تاريخها..ـ


وإن الأمم التي لا تنتج للمستقبل أجيالاً، هي أمم لا تدخر لغدها تاريخاً، ولا تحتكم على مقومات البقاء والتواجد الفعال في هذا الغد القريب المرتقب.ـ


ولهذا فإن أصدق المؤشرات الدالة على هذه القوى المستقبلية الكامنة في المجتمعات، تتمثل في معدلات الخصوبة، والنمو السكاني، ومتوسطات الأعمار لكل مجتمع، ونسبة أفراد المجتمع تحت سن الإعالة.. إلى آخر ذلك من المؤشرات التي تنبئ بمناخ اجتماعي صحي يطلعنا على مستقبل واعد، أو مناخ اجتماعي فاسد يعكس حالة اختناق عرقي يتعرض لها الشعب، ويلقي بظلال الفناء على تاريخ تلك الأمة..ـ


فحين ننظر إلى دول ثلاث من كبريات دول الشمال اللواتي تحدثنا من قبل عن سيطرتها وسطوتها في أنحاء عالم اليوم.. ولتكن فرنسا وبريطانيا وروسيا..ـ


نجد أنه بالنسبة لفرنسا:
معدل النمو السكاني: % 0.39
متوسطات الأعمار: الرجال/ 37 سنة
النساء/ 40.1 سنة

معدل الخصوبة: يولد 1.85 طفل لكل امرأة


وبالنسبة لبريطانيا فالوضع أسوأ:
معدل النمو السكاني: % 0.29
متوسطات الأعمار: الرجال/ 37.6 سنة
النساء/ 39.8 سنة

معدل الخصوبة: يولد 1.66 طفل لكل امرأة


أما روسيا:
معدل النمو السكاني: % -0.45
متوسطات الأعمار: الرجال/ 34.7 سنة
النساء/ 40.7 سنة

معدل الخصوبة: يولد 1.26 طفل لكل امرأة


إن متوسطات الأعمار لكل من الرجال والنساء في كل دولة من هذه الدول الثلاث تكشف لنا حقيقة ينبغي أن تكون مفزعة لكل من يطلع عليها من أبناء تلك البلاد، فإن أمماً تبلغ متوسطات أعمار أبناءها ما بين السابعة والثلاثين والأربعين سنة لأمم حرية أن ننعتها بالكهولة، خاصة وأننا نتحدث عن معدلات نمو سكاني لا تبشر بقدوم أجيال جديدة إلى المستقبل لتجدد شباب هذه الأمم.. فإن معدلات الـ% 0.39 والـ% 0.29، ومعدل سالب مثل ما في الإتحاد الروسي: %- 0.45 تظهر لنا إلى أي مدى تنكمش هذه الشعوب وتذوب أعراقها مع انقضاء السنوات وتقادم الأجيال ويتضح لنا هذا بجلاءٍ حين نلتفت إلى الجنوب ونلقي نظرة على مجتمعات الدول النامية غير ذات الثقل على المسرح السياسي للعالم، ففي العراق مثلاً نرى معدل النمو السكاني: 2.74% أي تسعة مرات ونصف معدل النمو السكاني في بريطانيا، كما نجد أن متوسطات الأعمار تتراوح بين 19.1 و 19.3 سنة فقط..! وبالتالي فنحن هنا نتحدث عن دولة فتية ناهضة متطلعة إلى مستقبل واعد متجدد..ـ


وفي سوريا نرى متوسط الأعمار لا يزيد على الـ20 سنة، ومعدل النمو السكاني يصل إلى 4,2%، كما نجد في مصر أن متوسطات الأعمار تدور حول الـ23 سنة، ومعدل النمو السكاني يبلغ 1.83% ..ـ


وكل هذا يعكس لنا وجهاً فتياً وقلباً نابضاً للمستقبل..ـ


وكذا هو الحال في جل المجتمعات التي لم تزل تحتفظ ببناء أخلاقي واجتماعي متماسك، وتقوم على كيان أسري متكاتف ثابت.. يخرج للمجتمع عاماً بعد عام وعقداً بعد آخر، وزمناً بعد زمن، روحاً قوية متجددةَ للحضارة الإنسانية.ـ


ولهذا فإننا حين نختلس تلك النظرة إلى عالم الغد من خلال استقرائنا لهذه البيانات استقراءً دقيقاً نستطيع أن نبصر جلياً كيف يمكن أن يكون مستقبلنا، ومستقبل هذا العالم.ـ


ذلك أن معدلات النمو السكاني ومعدلات الخصوبة لمجتمعات الدول الكبرى التي ذكرناها آنفاً والتي ظلت تتراجع على مدار العقود الأخيرة في هذا الزمن المعاصر ترتبط ارتباطاً عكسياً متسارعاً بمتوسطات الأعمار التي تسود تلك المجتمعات، فكلما تضاءل حجم الأجيال التي تنتجها تلك الأمم فإن متوسطات الأعمار السائدة في مجتمعاتها تزداد جيلاً بعد جيل.. كما أن تزايد متوسطات الأعمار من (31 - 32) مثلاً إلى (37 - 39) ثم إلى (40 - 41) ينعكس بدوره على معدلات الخصوبة في المجتمع عموماً، لأن المجتمع الفتي على وجه العموم أقرب وأقدر على الإنجاب وإنشاء الأسر ورعاية الأبناء من المجتمع الذي ينزلق إلى مرحلة الكهولة ومن ورائها إلى الشيخوخة، حتى يكاد يفقد خصوبته الإنجابية وقدرته على إنتاج أجيال جديدة تحافظ على مكانة أمتها في المستقبل، وبهذا نجد أن تراجع القيم الأخلاقية وتداعيات معدلات النمو السكاني المنخفض يقود المجتمع إلى الكهولة ثم إلى الهرم، وهذه بدورها تؤثر سلباً على معدلات الخصوبة فنجد أن تلك المجتمعات قد دخلت في دائرة مغلفة من التراجع والانهيار الذي ينتهي بفناء الأمة، وانقضاء تاريخها، وكأننا نشاهد دوامة مائية عميقة ينتهي مصير كل من يسقط فيها إلى الغرق..!ـ


إن كل ما أوردناه في هذا المقال ليس محض تخمين أو افتراض جزافي، فإن هذه المعدلات التي أوردناها وغيرها من المؤشرات ترد سنوياً في العديد من التقارير العالمية، مثل الـ CIA World Factbook ونستطيع من خلالها أن نرصد بكل بساطة الاتجاه العام لنمو وانكماش الأمم والأعراق كل سنة.. ونكتشف بعض الملامح العامة لمستقبل عالمنا، تلك الملامح التي تكون غاية في الوضوح عندما يكون التباين عظيماً بين الأمم مثل ما هو الحال بين دول الشمال والجنوب..ـ


لهذا فإن من يراقب الأوضاع الجارية، ويرقب المستقبل القادم، يستطيع أن يبصر بوضوح، أن المدافع والصواريخ والطائرات والمدمرات الرابضة في أنحاء الشرق الأوسط وغيره من البقاع الساخنة في عالم اليوم، سوف لن تجد من يداعب أزرارها غداً، لكي يطلق صاروخاً أو يحرك طائرة..
وأن مجتمعاتنا ينبغي أن تبدأ في التحرك من الآن، لأنها في تلك اللحظة الآتية المرتقبة والتي سيفرضها علينا المستقبل شئنا ذلك أم أبيناه، سوف تكون هي الكنانة التي تقدم لهذا المستقبل ذخيرته وعدته، وسوف تعود هي مرة أخرى لتمارس دور الريادة، ولتحمل شعلة الحضارة... فقط.. إذا وعت حجم ذلك الدور المرتقب، وأعدت نفسها وأجيالها القادمة لتلك اللحظة.ـ

0 تعليقات:

إرسال تعليق

الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]

<< الصفحة الرئيسية